تخطي للذهاب إلى المحتوى

ما الإنسان؟ الفجوة بين الحقيقة البيولوجية والقيمة الأخلاقية

8 مارس 2026 بواسطة
ما الإنسان؟ الفجوة بين الحقيقة البيولوجية والقيمة الأخلاقية
فيلوفكر

ما الإنسان؟ الفجوة بين الحقيقة البيولوجية والقيمة الأخلاقية

‏بقلم: عماد المزراوي – باحث في الفلسفة


عماد المزراوي
‏مقدمة: 
‏ما الإنسان؟
‏إنه كائن حي، إنسان بالمعنى البيولوجي، لكنه ليس بالضرورة إنسانًا بالمعنى القيمي. ذلك لأن الإنسان قد يفتقد أهم خاصية تميّزه: الإنسانية؛ تلك التي تحوّلت في كثير من الأحيان إلى مجرد شعار جامد أو وصفة لغوية تُكتب في المقالات والنصوص، أو تُقال في نشرات الأخبار، لكنها تظل بلا روح ولا أثر في الواقع.
‏فأيُّ إنسانٍ ذاك الذي لا يحرّك ساكنًا ولا يُسكِّن متحرّكًا؟
‏لقد دمّرت الحروب كثيرًا من القيم الإنسانية؛ من الحروب العالمية التي عرفها القرن العشرون، إلى الحروب المعاصرة مثل الحرب بين روسيا وأوكرانيا. غير أن المأساة تبلغ ذروتها في ما يحدث في فلسطين، حيث يبدو المشهد أقرب إلى إبادةٍ منه إلى مجرد حرب.
‏فعندما يُقتل الكبير والصغير، الشيخ والطفل، الأنثى والذكر، الحامل واليائسة… ينهض السؤال من جديد:
‏أين هو الإنسان؟
‏أين ذلك الكائن الذي قيل إنه عقلاني وأخلاقي؟
الإنسان بين الحقيقة البيولوجية والقيمة الأخلاقية
‏لم تنظر الفلسفة إلى الإنسان باعتباره مجرد كائن حي، بل اعتبرته كائنًا يحمل قيمة أخلاقية ومسؤولية إنسانية. فقد رأى ايمانويل كانط أن الإنسان يجب أن يُعامل دائمًا كغاية في ذاته، لا كوسيلة لغيره، لأن كرامته قيمة مطلقة لا يجوز انتهاكها.¹
‏غير أن الواقع المعاصر يكشف مفارقة مؤلمة؛ فبينما تُرفع شعارات حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، تستمر المآسي الإنسانية في أماكن كثيرة من العالم، حيث يُختزل الإنسان إلى مجرد رقم في نشرات الأخبار أو مادة في التقارير السياسية.
‏وقد أكّد جان بول سارتر أن الإنسان مسؤول عن أفعاله واختياراته، وأنه لا يستطيع التهرب من مسؤوليته الأخلاقية تجاه العالم.
‏وقد عرف الإنسان بقوله:
 "إنّ الإنسان ليس إنسانا إلّا بحريته. فالحرّيّة يصح اعتبارها تعريفا للإنسان"² 
لكن أين هي حرية الإنسان اليوم اذا كان يعرف بها؟
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أين هذه المسؤولية حين يتعلق الأمر بآلام الشعوب الضعيفة؟
من إنسانية الإنسان إلى حيوانية الإنسان
‏إن التأمل في واقع الإنسان المعاصر يكشف مفارقة عميقة؛ فحين يفقد الإنسان القيم التي تمنحه إنسانيته، لا يعود مجرد كائن فاقد للأخلاق، بل يتحول إلى كائن تحكمه الغريزة والقوة، أي إلى ما يمكن تسميته حيوانية الإنسان.
‏فالإنسانية ليست مجرد انتماء بيولوجي، بل هي القدرة على التعاطف والرحمة والاعتراف بالآخر كقيمة في ذاته. وعندما تتلاشى هذه القيم، يصبح العنف مبررًا، ويغدو القتل مجرد خبر عابر، ويتحول الإنسان إلى كائن تحكمه غريزة الهيمنة والصراع.
‏وقد عبّر الكاتب النرويجي جوستين غاردر عن هذه الفكرة بقوله:
‏"إن الحيوانات تلد الحيوانات، أما الإنسان فلا تلده إنسانًا، بل تربيه ليصبح كذلك" ³.
‏فالتربية والقيم هما ما يمنح الإنسان إنسانيته. أما حين يفقدهما، فإنه يعود إلى حالة بدائية تحكمها الغريزة والقوة، حيث لا يبقى من الإنسان إلا شكله البيولوجي، بينما تغيب روحه الأخلاقية.
الإنسان الأعلى والإنسان الأدنى: أزمة القيمة الإنسانية
‏ومن أخطر مظاهر الأزمة الأخلاقية في العالم المعاصر أن قيمة الإنسان لم تعد تُقاس بكونه إنسانًا، بل بدرجة قربه من مراكز القوة والهيمنة. وهنا يظهر تصور خطير يقسم البشر ضمنيًا إلى إنسان أعلى وإنسان أدنى.
‏لقد استخدم الفيلسوف فريدريك نيتشه مفهوم "الإنسان الأعلى"⁴ في سياق فلسفي يتعلق بتجاوز الإنسان لحدوده التقليدية، غير أن الواقع السياسي المعاصر أعاد إنتاج هذا المفهوم بصورة مشوهة، حيث أصبح يُستعمل أحيانًا لتبرير أشكال مختلفة من التفوق الحضاري أو الجغرافي.
‏وهكذا أصبح بعض البشر يُنظر إليهم بوصفهم مركز الإنسانية ومرجعها، بينما يُنظر إلى آخرين بوصفهم هامشًا إنسانيًا لا يستحق القدر نفسه من التعاطف أو الاهتمام.
‏إن هذا التمييز الخفي بين البشر لا يمثل فقط انحرافًا أخلاقيًا، بل يكشف عن أزمة عميقة في مفهوم الإنسانية ذاته؛ لأن الإنسانية، إن لم تكن قيمة كونية تشمل جميع البشر دون استثناء، فإنها تفقد معناها وتتحول إلى مجرد خطاب انتقائي يخدم منطق القوة.
‏إن المأساة الفلسطينية ليست مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل هي مأساة إنسانية عميقة تكشف عن أزمة القيم في العالم المعاصر.
‏فعندما يُقتل الأطفال، وتُدمّر البيوت، وتُقصف المستشفيات، ويُهجَّر المدنيون، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بالحرب وحدها، بل بحدود الإنسانية نفسها.
‏فالحرب، مهما كانت قاسية، لها قوانين وأعراف. لكن حين يتحول العنف إلى تدمير شامل للحياة الإنسانية، فإن الأمر يقترب من الإبادة أكثر مما يقترب من الحرب.
‏وهنا تظهر المفارقة الكبرى: عالم يتحدث كثيرًا عن الإنسانية، لكنه يقف عاجزًا أو صامتًا أمام إحدى أكبر المآسي الإنسانية في عصرنا.
‏إن ما يحدث في فلسطين لا يطرح فقط سؤال العدالة السياسية، بل يطرح سؤالًا أعمق وأخطر:
‏هل ما تزال الإنسانية قيمة حية في ضمير العالم؟
خاتمة: 
‏إن المأساة الفلسطينية لا تضع العالم أمام كارثة إنسانية فحسب، بل تضعه أمام امتحان أخلاقي حقيقي. فهي تكشف بوضوح الفجوة بين القيم التي يعلنها الإنسان، والسلوك الذي يمارسه في الواقع.
‏فحين يصبح قتل الأبرياء مشهدًا يوميًا، وحين يتحول الألم الإنساني إلى خبر عابر في نشرات الأخبار، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في الحرب وحدها، بل في اعتياد العالم على غياب الإنسانية.
‏ومع ذلك، يبقى سؤال الإنسانية سؤالًا لا يموت. فكل مأساة كبرى تعيد طرح السؤال من جديد:
‏كيف يمكن للإنسان أن يكون إنسانًا بحق؟
‏فالإنسانية ليست شعارًا يُرفع، ولا كلمة تُكتب في المواثيق، بل هي موقف أخلاقي يظهر حين يكون الإنسان قادرًا على الدفاع عن الإنسان، أيًّا كان موطنه أو دينه أو هويته.
‏ولعل المأساة الفلسطينية، رغم قسوتها، تعيد إلى الفلسفة سؤالها الأول:
‏كيف يمكن للإنسان أن يستعيد إنسانيته في عالم يهددها كل يوم؟
‏حين يُقتل الإنسان ويصمت العالم، لا تكون المأساة موت الضحية فقط، بل موت الإنسانية.
------مراجع------
‏1- إيمانويل كانط، " أسس ميتافيزيقا الأخلاق"، ترجمة: د. فؤاد زكريا، دار التنوير، بيروت، ط2، 2005
‏2- جان بول ساتر،" الوجوديّة مذهب إنساني"، ترجمة : كمال الحاج، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت – لبنان، 1983.
‏3- جوستين غاردر ، ترجمة حياة الحويك عطية ،  " عالم صوفي- رواية حول تاريخ الفلسفة" ، دار المنى ، 2014 ، ص 209.
‏4-  فريدريك نيتشه، "هكذا تكلم زرادشت"، ترجمة: علي مصباح، دار التنوير، بيروت، ط4، 2018.
ما الإنسان؟ الفجوة بين الحقيقة البيولوجية والقيمة الأخلاقية
فيلوفكر 8 مارس 2026
شارك هذا المنشور
الأرشيف