ما الإنسان؟ الفجوة بين الحقيقة البيولوجية والقيمة الأخلاقية
بقلم: عماد المزراوي – باحث في الفلسفة

مقدمة:
ما الإنسان؟
إنه كائن حي، إنسان بالمعنى البيولوجي، لكنه ليس بالضرورة إنسانًا بالمعنى القيمي. ذلك لأن الإنسان قد يفتقد أهم خاصية تميّزه: الإنسانية؛ تلك التي تحوّلت في كثير من الأحيان إلى مجرد شعار جامد أو وصفة لغوية تُكتب في المقالات والنصوص، أو تُقال في نشرات الأخبار، لكنها تظل بلا روح ولا أثر في الواقع.
فأيُّ إنسانٍ ذاك الذي لا يحرّك ساكنًا ولا يُسكِّن متحرّكًا؟
لقد دمّرت الحروب كثيرًا من القيم الإنسانية؛ من الحروب العالمية التي عرفها القرن العشرون، إلى الحروب المعاصرة مثل الحرب بين روسيا وأوكرانيا. غير أن المأساة تبلغ ذروتها في ما يحدث في فلسطين، حيث يبدو المشهد أقرب إلى إبادةٍ منه إلى مجرد حرب.
فعندما يُقتل الكبير والصغير، الشيخ والطفل، الأنثى والذكر، الحامل واليائسة… ينهض السؤال من جديد:
أين هو الإنسان؟
أين ذلك الكائن الذي قيل إنه عقلاني وأخلاقي؟
الإنسان بين الحقيقة البيولوجية والقيمة الأخلاقية
لم تنظر الفلسفة إلى الإنسان باعتباره مجرد كائن حي، بل اعتبرته كائنًا يحمل قيمة أخلاقية ومسؤولية إنسانية. فقد رأى ايمانويل كانط أن الإنسان يجب أن يُعامل دائمًا كغاية في ذاته، لا كوسيلة لغيره، لأن كرامته قيمة مطلقة لا يجوز انتهاكها.¹
غير أن الواقع المعاصر يكشف مفارقة مؤلمة؛ فبينما تُرفع شعارات حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، تستمر المآسي الإنسانية في أماكن كثيرة من العالم، حيث يُختزل الإنسان إلى مجرد رقم في نشرات الأخبار أو مادة في التقارير السياسية.
وقد أكّد جان بول سارتر أن الإنسان مسؤول عن أفعاله واختياراته، وأنه لا يستطيع التهرب من مسؤوليته الأخلاقية تجاه العالم.
وقد عرف الإنسان بقوله:
"إنّ الإنسان ليس إنسانا إلّا بحريته. فالحرّيّة يصح اعتبارها تعريفا للإنسان"²
لكن أين هي حرية الإنسان اليوم اذا كان يعرف بها؟
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أين هذه المسؤولية حين يتعلق الأمر بآلام الشعوب الضعيفة؟
من إنسانية الإنسان إلى حيوانية الإنسان
إن التأمل في واقع الإنسان المعاصر يكشف مفارقة عميقة؛ فحين يفقد الإنسان القيم التي تمنحه إنسانيته، لا يعود مجرد كائن فاقد للأخلاق، بل يتحول إلى كائن تحكمه الغريزة والقوة، أي إلى ما يمكن تسميته حيوانية الإنسان.
فالإنسانية ليست مجرد انتماء بيولوجي، بل هي القدرة على التعاطف والرحمة والاعتراف بالآخر كقيمة في ذاته. وعندما تتلاشى هذه القيم، يصبح العنف مبررًا، ويغدو القتل مجرد خبر عابر، ويتحول الإنسان إلى كائن تحكمه غريزة الهيمنة والصراع.
وقد عبّر الكاتب النرويجي جوستين غاردر عن هذه الفكرة بقوله:
"إن الحيوانات تلد الحيوانات، أما الإنسان فلا تلده إنسانًا، بل تربيه ليصبح كذلك" ³.